مجد الدين ابن الأثير
23
المختار من مناقب الأخيار
رضي اللّه عنه - فأخذ بزمام راحلته فقال : إلى أين يا خليفة رسول اللّه ؟ ! أقول لك ما قال لك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم أحد : « شم سيفك ولا تفجعنا بنفسك » « 1 » فو اللّه لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا . فرجع وأمضى الجيش « 2 » . وقال أبو العالية الرّياحيّ : قيل لأبي بكر الصديق - رضي اللّه عنه - في جمع « 3 » من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : هل شربت الخمر في الجاهية ؟ فقال : أعوذ باللّه ! فقيل : ولم ؟ فقال : كنت أصون عرضي وأحفظ مروءتي ، فإنّ من شرب الخمر كان مضيّعا في عرضه ومروءته . فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « صدق أبو بكر ، صدق أبو بكر » مرتين « 4 » . وقال أبو هريرة رضي اللّه عنه : واللّه الذي لا إله إلا هو ، لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد اللّه . ثم قال الثانية . ثم قال الثالثة . فقيل له : مه يا أبا هريرة . فقال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وجّه أسامة بن زيد في سبع مائة إلى الشام ، فلما نزل بذي خشب « 5 » قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وارتدّت العرب حول المدينة ، فاجتمع إليه أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا أبا بكر ! ردّ هؤلاء ، توجّه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدّت العرب حول المدينة ! فقال : والذي
--> ( 1 ) شام سيفه : سلّه ، وأغمده ، وهو من الأضداد ، وشكّ أبو عبيدة في شمته بمعنى سللته ، وأصل الشّيم النظر إلى البرق ، ومن شأنه أنه كما يخفق يخفى من غير تلبّث ، ولا يشام إلا خافقا وخافيا ، فشبّه بهما السلّ والإغماد . اللسان والنهاية ( شيم ) . ( 2 ) رواه زكريا الساجي والزهري بإسنادهما عن عائشة ، وأخرجه ابن عساكر ( مختصر ابن منظور 13 / 98 ) ، وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك والخلعي في الخلعيات عن ابن عمر . انظر البداية والنهاية 6 / 315 وكنز العمال 5 / 658 ( 14158 ) و 664 ( 14166 ) و 665 ( 14167 ) . ( 3 ) في ( أ ) : « مجمع » . ( 4 ) أخرجه تمام الرازي في فوائده ، وذكره المحبي في الرياض 1 / 244 . ( 5 ) ذو خشب : واد على مسيرة ليلة من المدينة . انظر معجم البلدان 2 / 372 .